مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
327
تفسير مقتنيات الدرر
غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها » « 1 » وأكثر ما يستعمل سلام عليكم بغير الألف واللَّام . فإن قيل : كيف جاز جعل المبتدأ نكرة . فالنكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدءا فالتنكير في هذا الموضع أتمّ وأكمل فكانّه قيل : سلام كامل شامل تامّ عامّ عليكم نظيره « سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ » « 2 » وأمّا مع الألف واللَّام فصحيح كقوله : « وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى » « 3 » والمراد مع الألف واللَّام الماهيّة والحقيقة فحينئذ بدون الألف واللام يفيد الكمال والمبالغة ، ومع الألف واللام لا يفيد إلَّا الماهيّة . قوله : * ( [ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ] ) * قالوا : مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتمّ لذلك ، ثمّ جاءه ملائكة فرأى أضيافا لم ير مثلهم فجعل فما لبث في المجيء به . و « الحنيذ » هو الَّذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية وأصله محنوذ مثل طبخ ومطبوخ : وقيل : « الحنيذ » الَّذي يقطر دسمه عرقا ومرقا . * ( [ فَلَمَّا رَأى ] ) * إبراهيم * ( [ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ ] ) * إلى العجل استنكرهم * ( [ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ] ) * . أي أضمر منهم خوفا . واختلف في سبب الخوف فقيل : إنّه لمّا رآهم شبّانا أقوياء وكانوا نازلين بطرف من المكان ، وامتنعوا من تناول الطعام لم يأمن أن يكون ذلك لبلاء وذلك لأنّ أهل ذلك الزمان إذا أكل بعضهم طعام بعض أمنه صاحب الطعام على نفسه وماله ، وكذلك كان يقال : تحرّم فلان بطعامنا أي أثبت الحرمة بأكله الطعام . وقيل : إنّ سبب خوف إبراهيم أنّه ظنّ أنّهم ليسوا من البشر وأنّهم جاؤوا لأمر عظيم فخاف أن يكون قومه المقصودين بالعذاب حتّى * ( [ قالُوا ] ) * له * ( [ لا تَخَفْ ] ) * يا إبراهيم * ( [ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ] ) * بالإهلاك قيل : إنّ إبراهيم ما عرفهم أنّهم الملائكة . وقيل : عرفهم لكن ما عرف أنّهم لأيّ أمر أتوا فكان خوفه من هذه الجهة . والصحيح أنّه ما عرفهم أنّهم من الملائكة .
--> ( 1 ) النور : 27 . ( 2 ) يس : 58 . ( 3 ) طه : 49 .